Topics

الكون أسرة واحدة

 

للعوالمِ ثلاثةُ وجوهٍ: وجهٌ هو العالمُ النورانيّ، ووجهٌ ثانٍ هو عالمُ الضوء، ووجهٌ ثالثٌ هو عالمُ التخليطِ أو عالمُ الناسوت. فإذا دخلنا عالمَ النورِ انكشفَت لنا المشيئة، وبالدخولِ في المشيئة ينكشفُ لنا ذاتُ الله.

وفي عالمِ الناسوتِ يرى العارفُ—من خلالِ الورودِ أو الغنودِ أو المراقبة—أنّ الروحَ الحيوانيّةَ وجهٌ مقيدٌ بالمكانيّة، وأنّ الإنسانَ محبوسٌ في قيودِ الحواس. فإذا خرجَ الإنسانُ من الروحِ الحيوانيّةِ ودخلَ في الروحِ الإنسانيّةِ، رأى وسمعَ وأحسَّ أنّ في داخلِه قدرةً تمكّنه من التخلّصِ من قيودِ المكانيّة. كما يدركُ أنّ الإنسانَ لا يقومُ على خدوخالِ المكانيّةِ وحدها، بل إنّ فوقَ هذه الخدوخالِ غلافًا من الأضواء، وأنّ وجودَه الجسديَّ منسوجٌ على نسيجٍ من الضوء. ويعلمُ كذلك أنّ سرعةَ سفرِ الإنسانِ وسرعةَ طيرانِه تعادلُ سرعةَ الضوء.

 

هذانِ الوجهان—مع اختلافِهما—غيرُ منفصلينِ أحدُهما عن الآخر، بل هما متّصلانِ اتصالَ

 صفحتينِ من ورقةٍ واحدة.

فالمكانيّةُ قائمةٌ على بساطِ الزمانيّة.

وفي عالمِ اليقظةِ تكونُ الزمانيّةُ مستترةً، وتكونُ المكانيّةُ هي الغالبة.

أمّا في عالمِ المنامِ، فإنّ المكانيّةَ تندمجُ في الزمانيّةِ وتغدو مغلوبةً بها.

ولفهمِ القوانينِ الكونيّةِ ينبغي ترسيخُ هذه الحقيقةِ في الذهن، وهي أنّه عندما تظهرُ خدوخالُ الكائناتِ في الكون، يستترُ الزمانُ وراءَ الحجاب، وإذا تجاوزت صورُ الموجوداتِ هذه الخدوخال، اندمجَ المكانُ في الزمان. فإذا ظهرتِ الكائناتُ في إطارِ الزمانيّةِ سُمّيت هذه الحركةُ «نزوليّة»، وإذا تراجعتِ المكانيّةُ إلى الخلفِ سُمّيت «صعوديّة». وسلسلةُ النزولِ والصعودِ كلُّها منقوشةٌ في اللَّوحِ المحفوظ. وبينَ اللَّوحِ المحفوظِ وعالمِ الوجودِ المادّيِّ حجابٌ. ففي الحركةِ النزوليّةِ يكونُ هذا الحجابُ—الواقعُ بينَ الوجودِ المادّيِّ واللَّوحِ المحفوظ—هو «البرزخ». وعندما تنزلُ الصورُ من اللَّوحِ المحفوظِ إلى الوجودِ المادّيِّ فتتجلّى بخدوخالٍ مظهريّة، ثمّ تعودُ صعودًا إلى اللَّوحِ المحفوظ، يبقى بينهما حجابٌ أيضًا يُعرَفُ باسمِ «الأعراف». يُعرَفُ هذا الحجابُ باسمِ «الأعراف». وبينَ جميعِ الحركاتِ النزوليّةِ (المخلوقات) الصادرةِ من اللَّوحِ المحفوظِ وبينَ الأرضِ مرحلةٌ تُسمّى «عالمَ البرزخ».

وبينَ الحركاتِ الصعوديّةِ العائدةِ من الأرضِ إلى اللَّوحِ المحفوظِ حجابٌ يُسمّى «الأعراف». فسمي ذلك بعالم الناسوت.

الإرادةُ الإلهيّةُ «كُن»؛ فكلُّ ما كان في علمِ خالقِ الكونِ على الهيئةِ نفسِها تحقّقَ في الوجود.
وفي «عالمِ الأرواح» تَحدَّدت في الكونِ هذه الحركةُ بأن تكوَّنت صورةٌ جامعةٌ للأنواعِ وأفرادِ كلِّ نوعٍ. «اللَّوحُ المحفوظ».

وفي المرحلةِ التاليةِ صارَ البرنامجُ الكلّيُّ.

وفي المرحلةِ اللاحقةِ من الحركةِ انفصلَ البرنامجُ الكلّيُّ إلى برامجَ نوعيّةٍ متعدّدة. «عالمُ المثال/عالمُ البرزخ».

وصورةُ عالمِ المثالِ تُبَثُّ في هيئةٍ فرديّةٍ على شاشةِ الأرض. «العالمُ المادّيّ».

وهو عالمٌ شعوريّ، أمّا العوالمُ التي قبله فهي متعلّقةٌ باللاشعور.

وهذا العالمُ هو نهايةُ الحركةِ النزوليّة، ومنه تنقلبُ الحركةُ النزوليّةُ إلى حركةٍ صعوديّة. «عالمُ الأعراف».

التفسير:
كلُّ شيءٍ إذا كان من جهةٍ ينزلُ، فإنّه من جهةٍ أخرى يصعدُ؛ وهذا يدلُّ على أنّ كلَّ موجودٍ في الكونِ، عند وصولِه إلى اللّامحدوديّة، يُعرِّفُ بأنّ ذاتَ اللهِ غيرُ محدودة. فاللّامحدوديّةُ هي ذاتُ الله، أمّا المحدوديّةُ فهي المخلوق. والمخلوقُ أو المحدوديّةُ هو في حقيقتِه الكون. والكونُ مركَّبٌ من ثلاثةِ دوائر.

الدائرةُ الأولى للكونِ هي «المادّيّة».

والدائرةُ الثانيةُ هي «الحيوانيّة».

والدائرةُ الثالثةُ هي «الإنسانيّة».

إنّ العالمَ الخارجيَّ وكلَّ ما فيه من أشياءٍ تجري حركاتُه وسكناتُه وفقَ عمليّةٍ ميكانيكيّة، وأساسُ هذا النظام هو المادّيّة. وبهذا النظامِ تتكوّنُ الجماداتُ والنباتات. ومن الدائرةِ الثانيةِ يبدأُ تكوينُ الحيوانِ، بما فيه الإنسان. وهذه الدوائرُ الثلاثُ في الكونِ تتحوّلُ من النزولِ إلى الصعودِ، ومن الصعودِ إلى النزول، فكلُّ دائرةٍ تتحلّلُ لتصيرَ دائرةً أخرى.

وعندما يتعرّفُ العبدُ إلى الله، فإنّ لهذا التعرّفِ طريقتين: إحداهما أن يتعرّفَ إليه من خلالِ صفاتِه، والأخرى أن يتعرّفَ إليه من خلالِ ذاتِه. فإذا تعرّفَ العبدُ إلى الله من خلالِ الصفات، فإنّه يرى اللهَ في صفاتِه، أمّا إذا تعرّفَ إليه من خلالِ الذات، فإنّه يشعرُ بقربِه من الله من خلالِ فكرِه الوجدانيّ . إنّ بنيةَ الكون، وما فيها من مقاديرَ مختلفة، وما ينتجُ عنها من أنواعٍ متعدّدة، ولكلِّ نوعٍ خدوخالُه وصفاتُه الخاصّة، وما بينَ الأنواعِ من اشتراكٍ علميٍّ وصفاتيّ، وما بينَ الأفرادِ من روابطَ، سواءٌ داخلَ النوعِ الواحدِ أو بينَ الأنواعِ المختلفة—كلُّ ذلك يوجّهُ كلَّ ذي عقلٍ وفهمٍ إلى أنّ الكونَ أسرةٌ واحدة، وأنّ لهذه الأسرةِ قيّمًا أعلى. فمهما كان نوعُ الكائنِ أو فردُه، لا يستطيعُ أن يقطعَ صلتَه بالكونِ كلِّه، سواءٌ أكان على علمٍ بالأنواعِ الأخرى أو بالأجرامِ السماويّة أم لا، فإنّ الرابطةَ المتبادلةَ والخفيّةَ قائمةٌ في كلِّ حال.

الخلاء

إذا نُظِرَ في تخليقِ أيِّ فردٍ من أفرادِ الكون، وحُولِفَ الفهمُ لمعرفةِ الصيغةِ التخليقيّة، تبيّن أنّ للكونِ ولأفرادِه أربعَ طبقاتٍ محدَّدة. فالطبقةُ الأولى للكونِ هي ما وراءَ اللاشعور، وهي طبقةٌ تقعُ في أعماقٍ بعيدةٍ جدًّا داخلَ الكونِ وأفرادِه، وتبلغُ من العمقِ حدًّا يجعلُ إدراكَ أوصافِها أو شرحَها أمرًا يكادُ يكونُ مستحيلًا. غيرَ أنّ في أهلِ الروحانيّةِ—وإن كانوا قليلين—من تنكشفُ لهم أوصافُ هذه الطبقةِ في أعماقِها، وهم الذين يعرفون صفاتِها، لأنّهم خاضعون مباشرةً للمشيئة.

وبعدَ الطبقةِ الأولى تأتي الطبقةُ الثانية؛ فعندما تبرزُ الطبقةُ الأولى مع حركةِ النزول، تتحوّلُ هذه الحركةُ النزوليّةُ إلى مجموعةٍ من الأوصافِ الجديدة، ويُسمّى هذا المجموع «اللاشعور». وهذه الطبقةُ أيضًا يصعبُ إدراكُ أوصافِها، ولكنّه أسهلُ من إدراكِ أوصافِ الطبقةِ الأولى. وعندما تقعُ حركةٌ في اللاشعور، يُحيطُ بها شعورُ الفرد، ويُسمّى هذا الإحاطةُ «تصوّرًا». فإذا برزَ التصوّرُ من مستواه وظهرَ أمامَ الفرد، سُمّي «شعورَ الفرد»، ويبدأُ شعورُ الفرد في قبولِ انعكاسِ الأشياءِ المقابلةِ له، وهذه الحالةُ هي التي تمنحُ الشيءَ وجودَه، ثمّ تُعطى لهذا الوجودِ أسماءٌ مختلفة. وباختصارٍ، لا بدَّ لكلِّ فردٍ من أفرادِ الكونِ أن يمرَّ بهذه الطبقاتِ الأربع، ولا يُبحثُ في وجودِ شيءٍ ما لم يمرَّ بها.

وفي المراحلِ الثلاثِ الأولى يتكوّنُ نسيجُ الشيءِ، وفي المرحلةِ الرابعةِ يكتسبُ الشيءُ وجودًا ذا خدوخالٍ مظهريّة. أمّا حركةُ الشيءِ أو حركةُ الكونِ فتقعُ على نوعين: حركةٌ طوليّة، وحركةٌ محوريّة. وسواءٌ كانت الحركةُ طوليّةً أم محوريّةً، ففيهما فاصلٌ، غيرَ أنّ الحركةَ الطوليّةَ هي في ذاتِها فاصل. وعندما تتحرّكُ هذه الطبقاتُ الأربعُ في الاتجاهِ الطوليّ، يُسمّى هذا الامتدادُ «زمانًا» أو «وقتًا». أمّا إذا تحرّكت في الاتجاهِ المحوريّ نحوَ مركزِها، فيُعبَّرُ عن هذا الامتدادِ بـ«المكان».

قانون:
الحركةُ الطوليّةُ والحركةُ المحوريّةُ، وحالتا المكانِ والزمانِ، تدورُ كلُّها في الاتجاهينِ الطوليّ والمحوريّ معًا في آنٍ واحد. وهذه الدوراناتُ المتلازمةُ تُحدِثُ عمليّةَ الخلقِ باستمرارٍ داخلَ الشعور. فحركةُ اللُّعبةِ الدوّارةِ (اللُّطّو) مثالٌ على ذلك؛ إذ تدورُ محوريًّا حولَ نفسِها، وتتحرّكُ طوليًّا إلى الأمام. فالتقدّمُ إلى الأمامِ هو الزمانيّة، والدورانُ حولَ المركزِ هو المكانيّة. وبذلك يتبيّن أنّ الحركتينِ الطوليّةَ والمحوريّةَ تتكاملانِ في إنشاءِ الزمانِ والمكان. ونحنُ نُدرِكُ الحركةَ الطوليّةَ في حواسّنا على هيئةِ ثوانٍ ودقائقَ وساعاتٍ وأيّامٍ وشهورٍ وسنواتٍ وقرون، ونعدُّها كذلك، غيرَ أنّنا في الوقتِ نفسِه نُدرِكُها بوصفِها امتدادًا مكانيًّا. فعندما نرفعُ نظرَنا إلى السماءِ تنكسرُ في حواسّنا حدودُ الثواني والدقائق، مع أنّ تجربتَنا الشعوريّةَ تُفيدُ بأنّنا لا نرى عادةً إلى مسافةٍ تتجاوزُ بضعَ مئاتٍ من الأقدام. ومع ذلك، عندما ننظرُ إلى السماءِ، تمتدُّ أمامَنا مسافاتٌ شاسعة، ونرى القمرَ والشمسَ والنجومَ والأجرامَ السماويّة، لأنّنا نسيرُ في الحركةِ الطوليّةِ والحركةِ المحوريّةِ معًا.

والوهمُ والخيالُ والتصوّرُ ثلاثُ حالاتٍ تقعُ في اتجاهِ الحركةِ الطوليّة، أمّا الحالةُ الإحساسيّةُ فتقعُ في الحركةِ المحوريّة.


نظرية اللون والنور

خواجۃ شمس الدين عظيمي

إن الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.