Topics

وحدةُ الوجودِ ووحدةُ الشهود

عندما ترى النَّظرةُ بواسطةٍ، فإنّها تشعرُ بأنّها مقيَّدةٌ بالزمانيّةِ والمكانيّة، وكلّما تعمَّقت طُرُقُ الرؤيةِ بالواسطةِ تكاثرتِ الدرجاتُ وتولَّدت مراتبُ الكثرةِ على نحوٍ متزايد. وأمّا مصطلحاتُ وحدةِ الوجودِ ووحدةِ الشهودِ وسائرُ ألفاظِ الوحدة، فإنّها من صُنعِ الذهنِ الإنسانيّ. فالإنسانُ—بحسبِ محدوديّةِ فهمِه وقدرتِه الفكريّة—لا يعبِّرُ إلّا ضمنَ حدودِ فكرِه. ولذلك فإنّ القولَ بأنّ وحدةَ الوجودِ هي عينُ وحدةِ الله تعالى ليس بصحيح، إذ إنّ وحدانيّةَ الله تعالى، أو أيَّ صفةٍ من صفاتِه، تعجزُ عقولُ البشرِ عن الإحاطةِ بها أو التعبيرِ عنها تعبيرًا تامًّا. ومن ثَمَّ، فإنّه يستحيلُ أن يُعبَّرَ عن صفاتِ الله تعالى تعبيرًا كاملًا بواسطةِ أيِّ لفظٍ أو عبارةٍ.

  ١٠٩

 

إنَّ صفاتِ اللهِ تعالى عندما تتجلّى ضمنَ حدودِ الفكرِ الإنسانيّ المحدود، فإنَّ الإنسانَ يُسمّي ذلك لامحدوديّة، ومعنى ذلك أنّه حين نتحدّثُ عن وحدةِ الله، فإنّنا في الحقيقةِ نتحدّثُ عن وحدتِنا نحن، أي إنّنا نُريدُ أن نقول إنّنا قد أدركنا صفاتِ الله بقدرِ ما تسمحُ به حدودُ فهمِنا.

وعندما ينزلُ علمُ الله، فإنّ أوّلَ حالةٍ من حالاتِ هذا النزول تُسمّى إدراكًا. فإذا استقرَّ هذا العلمُ في صورةِ إدراكٍ عند نقطةٍ معيّنةٍ لمدّةٍ يسيرة، ثم تولَّدت فيه حالةُ العمق، صارَ نظرًا. وما لم يتحقّقِ العمقُ في الإدراك، لا تَرِدُ حالةُ الخيال.

فإذا كان الإدراكُ عميقًا وتحوّلَ إلى صورةِ خيال، فإنّه لا تظهرُ صورةٌ أو هيئةٌ أمامَ الإنسان، بل يقتصرُ الأمرُ على الإحساس؛ أي إنّ الإدراكَ عندما يدخلُ في حدودِ الخيال ينعكسُ انعكاسًا خفيفًا لشيءٍ ما، فينشأُ الإحساسُ بذلك الشيء. وفي نطاقِ الخيال يعملُ الإحساس، غيرَ أنّ منزلتَه تبقى في حدودِ الفكر.

وعندما يتركّزُ الإحساسُ على نقطةٍ واحدةٍ لعدّةِ لحظات، تتشكّلُ في تلك النقطةِ خدوخالٌ وهيئةٌ وصورة، وتظهرُ هذه الصورةُ أمامَ النظرِ الباطنيّ. فإذا بقيت هذه الخدوخال—سواءٌ كانت باطنيّةً أو ظاهريّة—مركَّزةً على تلك النقطةِ لمدّةٍ أطول، صارت كأنّها ناطقة، وإذا استمرّت قوّةُ النُّطقِ متوجِّهةً قليلًا من الوقت نحوَ تلك النقطةِ أو ذلك الفرد، نشأت في الفكرِ والإحساسِ حالةٌ من التلوُّن، ويشعرُ ذلك النقطةُ بأنَّ حولَه حشدًا من التنوُّعاتِ والتجلّيات.

وعندما تثبتُ مركزيّةُ الروحِ على هذا الحشدِ لمدّةٍ يسيرة، تتولَّدُ في الشعورِ موجاتٌ ضوئيّةٌ جاذبة، وهذه الموجاتُ تُدرِكُ ما تنظرُ إليه وتشعرُ به وتلامسُه، ويُسمّى هذا الأثرُ في عملِ الموجاتِ «اللَّمس».

وكلُّ مخلوقٍ أو آدمَ زادٍ إنّما ينشأُ نازلًا من أعلى إلى أسفل، درجةً بعدَ درجة، وروحُه تُنشئُ لأجلِ تعبيرِها وتجليّها جسدًا من لحمٍ ودم. ثمّ تتوجّهُ الفكرةُ الإنسانيّةُ بعدَ ذلك من الحالةِ المتنزّلةِ نحوَ الصعود، فتبدأُ الحواسُّ بالابتعادِ عن الحاسّةِ الأولى التي وُلِدَت بها. ومعنى هذا الابتعاد أنّ الطفلَ حين يولدُ، فإذا دخلَ في اليومِ الثاني صارَ اليومُ الأوّلُ ردَّ فعلٍ لنزولِ الحياة، وهذا الردُّ هو الذي يُنشِئُ الإحساسَ بالزمانيّةِ والمكانيّة.

فالطفلُ حين يولدُ تتبدّلُ صفاتُه وأعضاؤه وحواسُّه من لحظةٍ إلى أخرى، وهذه التبدّلاتُ هي في حقيقتِها امتدادُ الزمانيّةِ والمكانيّة. وهو—شعوريًّا ولاشعوريًّا، أو على نحوٍ غيرِ اختياريّ—يُسجِّلُ في إدراكِه أنّه انتقلَ من لحظةٍ إلى أخرى، ومن ساعةٍ إلى ساعة، ومن يومٍ إلى يوم، ومن شهرٍ إلى شهر، ومن سنةٍ إلى سنة. وهذا الانتقالُ المتدرّجُ للحواسِّ، درجةً بعدَ درجة، هو نفسُه الزمانيّةُ والمكانيّة. ومعنى مرورِ دقائقِ الطفلِ وساعاتِه وأسابيعِه وأشهرِه وسنواتِه أنّ تلك النقطةَ التي هي في حقيقتِها علمٌ وعليمٌ تبتعدُ عن العلمِ النزوليّ، حتى تَرِدَ الوفاة. وبعدَ الموتِ تتعلّمُ الروحُ علمًا جديدًا، وهو علمٌ لا يظهرُ وهو مقيَّدٌ بالزمانيّةِ والمكانيّة. وفي هذا العلمِ الجديدِ يتحرّرُ الإنسانُ من جسدِ اللحمِ والدم.

إنَّ التأمّلَ في بُنيةِ الكونِ يكشفُ أنّ الكونَ كلَّه—بما فيه الإنسان—ليس إلّا نورًا، وهذا النورُ يتحرّكُ باستمرارٍ في ثلاثةِ دوائرَ صعودًا ونزولًا. ففي الدائرةِ الأولى تُنقَشُ جميعُ معلوماتِ الغيبِ المتعلّقةِ بالكون، وهي الرموزُ التي تمّ وفقَها تخليقُ الكون. وفي داخلِ الإنسانِ أيضًا تنطبعُ في هذه الدائرةِ المعارفُ المتعلّقةُ بالمصالحِ والأسرار. فإذا بلغَ طالبُ العلومِ الماورائيّةِ هذا المقام، وانكشفت له الدائرةُ الأولى، فإنّه يُشاهِدُ التجلّيات، وإذا وقعتِ التجلّياتُ في مجالِ مشاهدتِه، انكشفَ له كذلك سجلُّ الغيبِ الخاصُّ بالكون.

وأمّا الدائرةُ الثانيةُ فهي دائرةُ النور، وفيها تُنقَشُ الأحكامُ التي تُشكِّلُ—بعد العلم—الحياةَ ودورَها.

والدائرةُ الثالثةُ المتعلّقةُ بالتخليقِ هي دائرةُ الأنوار، وفيها يُسجَّلُ كلُّ عملٍ من أعمالِ الحياة. وهذا التسجيلُ لا يختصُّ بالإنسانِ والجنّ وحدهما، بل يشملُ جميعَ المخلوقاتِ في الكون. وعندما نذكرُ هذه الدوائرَ، قد يتولّدُ تصوّرٌ بأنّها أشياءُ منفصلةٌ: الأولى والثانيةُ والثالثة، غيرَ أنّ الأمرَ ليس كذلك، وإنّما هو تعبيرٌ للتفهيمِ أو لقصورِ الألفاظ، إذ لا يمكنُ للألفاظِ المتداولةِ أن تُحيطَ بشرحِ حقيقةِ الحياةِ المسجَّلةِ إحاطةً تامّة. وهذه الدوائرُ الثلاثُ تبدو كأنّها صفحاتٌ متداخلةٌ، كصفحتينِ متقابلتينِ من ثلاثِ أوراقٍ، كلُّها متّصلةٌ بعضُها ببعض.

وفي هذه الدوائرِ الثلاثِ تقومُ الدائرةُ الأولى بتوليدِ الطاقة (Energy)، وتقومُ الدائرةُ الثانيةُ باستخدامِ هذه الطاقةِ لتعيينِ طرائقِ الحياة، أمّا الدائرةُ الثالثةُ فتجمعُ جميعَ الأدوارِ وتُظهِرُها في صورةِ مظاهر.


نظرية اللون والنور

خواجۃ شمس الدين عظيمي

إن الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.