Topics

العالِمُ الروحانيُّ العظيم

بيّنَ العالِمُ الروحانيُّ العظيمُ قلندر بابا أولياء أنّ للفكرِ الإنسانيّ ثلاثَ طرائق. فالطريقةُ الأولى هي أن يستعملَ الإنسانُ—باعتبارِه فردًا من النوعِ الإنسانيّ—التقاضياتِ التي تنشأُ في داخله استعمالًا صحيحًا. فإذا استُعمِلَت هذه التقاضياتُ على وجهٍ صحيح، صارَت كلُّ حركةٍ منه قائمةً على الإخلاصِ لنوعِ الإنسان. وعندما يسودُ في الفردِ هذا الإخلاصُ، يبلغُ مقامًا تتجاوزُ فيه فكرتُه حدودَ الفرديّة، فيبدأُ بفهمِ التقاضياتِ الكلّيّة للنّوعِ والإحساسِ بها، فينتقلُ من الفرديّة إلى الجماعيّة، ولا تبقى أفكارُه مقصورةً على ذاتِه، بل تشملُ النوعَ كلَّه، فتصيرُ الفكرةُ الفرديّةُ فكرةً نوعيّة.

وعندما تتّسعُ هذه القدرةُ، يدخلُ الفكرُ في آفاقٍ أوسع، حيثُ تنكشفُ له—بعدَ تجاوزِ التقاضياتِ النوعيّة—التقاضياتُ الكونيّة.

الطرائقُ الثلاث

الأولى: فكرٌ فرديّ

الثانية: فكرٌ نوعيّ

الثالثة: فكرٌ كونيّ

فإذا غلَبَ الفردُ تقاضياتِه الفرديّةَ في سبيلِ التقاضياتِ النوعيّة، انكشفت له أسرارُ الكون وتقاضياتُه العامّة، فيصبحُ عارفًا بها. وإذا مرَّ بهذه الطرائقِ الثلاث، صارَ فكرُه ما وراءَ الفكر، وهذا الفكرُ يعرّفُه بحقائقِ ما وراءَ الكون. فالانتقالُ من الطورِ الأوّل إلى الثاني يُنشئُ الفكرَ النوعيّ، ومن الثاني إلى الثالث يُنشئُ الفكرَ الكونيّ.

مثال:
أمامَنا وردةٌ، وفي هذه اللحظةِ لا يكونُ في الذهنِ غيرُها. فإمّا أن تكونَ الوردةُ حاضرةً في الذهنِ أو غيرَ حاضرة. وعندما نذكرُ الوردة، فإنّما نُثبِتُ وجودَها فحسب، ولا يكونُ مركزُ فكرِنا متوجّهًا إلى شيءٍ غيرِها. وعند الحديثِ عن الوردةِ نُعبّرُ عنها على جهةِ الإثبات. ويُعَدُّ هذا اللّحظُ الخاصُّ وحدةً من وحداتِ الكون، وهذه الوحدةُ هي التي يُسمّى اسمُها «الوردة». وما لم يُدرَك هذا اللّحظُ—وهو لحظةُ الوردة—لا يمكنُ إقامةُ صلةٍ مع وحدةٍ أخرى. فكلُّ ما في الفكرِ الإنسانيّ قائمٌ على اللّحظات، سواءٌ أكانت هذه اللّحظةُ طويلةً أم قصيرة، وسواءٌ كان الفاصلُ بينها ضئيلًا جدًّا قد يبلغُ جزءًا من المليون أو أقلّ. غيرَ أنّ الذهنَ لا يستطيعُ في آنٍ واحدٍ أن يُدرِكَ إلّا شيئًا واحدًا في لحظةٍ واحدة. وقد يُعترَضُ بأنّ الإنسانَ في لحظةٍ واحدةٍ يرى أشياءَ كثيرةً ويشعرُ بها، ولا يمكنُ تصوّرُ اللّحظةِ منفصلةً. غيرَ أنّ اللّحظةَ من الدقّةِ بحيثُ إنّ جزءًا منها في غايةِ الصِّغَر، إلى حدٍّ لا يُمكنُ تسميتُه لحظةً، بل جزءًا من مليون. وترى نظريّةُ اللونِ والنور أنّ لكلِّ شيءٍ لحظةً تكونُ مركزًا لإدراكِه في الذهن، غيرَ أنّ كثرتَها تجعلُ الفصلَ بين أجزائِها الدّقيقةِ غيرَ ممكن. وما لم تسكنْ سائرُ الموجودات، لا يمكنُ إدراكُ فردٍ واحدٍ إدراكًا تامًّا. ونحنُ في الظاهرِ ننظرُ أمامًا وخلفًا، وفوقًا وتحتًا، غيرَ أنّ هذا النظرَ لا يتحقّقُ إلّا إذا تَركَّزَ الذهنُ في تلك الجهة.

نحنُ نسيرُ في ستِّ جهاتٍ، أو نكونُ على معرفةٍ بها: فوق، وتحت، ويمين، ويسار، وأمام، وخلف. غيرَ أنّ هذه الجهات—من المنظورِ الروحانيّ—ليست إلّا نِتاجَ القياس، فالجهةُ الحقيقيّةُ هي التي تتّجهُ إليها تقاضياتُ الذهن. ويُظَنُّ أنّ الزمانَ يمضي، غيرَ أنّ الحقيقةَ أنّه يُسجَّل. فالإنسانُ الذي بلغَ ثلاثينَ سنةً قد سارَ من الطفولةِ إلى هذا العمر، وهذا السَّيرُ هو تسجيلٌ للحياة. وقد سمّى القرآنُ هذا التسجيلَ «كتابًا مرقومًا». وهذا «الكتابُ المرقوم» هو نفسُه علمُ الأسماء الذي علّمه اللهُ لآدم، فصارَ ما تعلّمه مسجَّلًا، وانتقلَ هذا السجلُّ من آدمَ إلى نسلِه.

والكونُ نقطةٌ يُفترَضُ وجودُها في الذهن، وفي هذا يكمنُ سرُّ وجودِه. وبلغةِ الرياضيّين، فإنّ النقطةَ لا طولَ لها ولا عرضَ ولا عمق، وإنّما هي إنشاءٌ شعوريّ. وهذه النقطةُ، عبرَ حركةِ الشعور، تتحوّلُ إلى إدراكٍ بالحواسّ. ولفهمِ ذلك، لا بدَّ من معرفةِ حقيقةِ الشعورِ نفسِه؛ فهو قائمٌ بذاتِه، ومشغولٌ باستحضارِ نفسِه، ويعيدُ باستمرارٍ السجلَّ الذي يقومُ عليه. فالطفلُ الذي يُولَدُ ثمّ يبلغُ الشيخوخةَ إنّما يمرُّ بعمليةِ تكرارٍ لهذا السجلّ الشعوريّ. ولو لم يُكرّرِ الشعورُ سجلَّه ولم يستمرَّ في استحضارِه، لما أمكنَ انتقالُ الطفلِ إلى الشباب، فالشبابُ هو في حقيقتِه تذكيرٌ مستمرٌّ بسجلٍّ شعوريٍّ ممتدٍّ من الطفولة.

عندما يبدأُ طورُ الوعي في الطفولة، يتعرّفُ الطفلُ إلى القمرِ والشمس. ويُقالُ له شعوريًّا: هذا قلم، وهذا كتاب، فيُسجَّل ذلك في الشعور. وهذا السجلُّ نفسُه يظلّ يستعمله من الشيخوخةِ إلى الموت. ولا يحدثُ أبدًا أن يُسمّي الطفلُ الكتابَ شجرةً أو الشجرةَ كتابًا. فما سُجِّل في الشعور هو نفسُه الشعور. ويستعملُ الشعورُ سجلَّه، أو النقوشَ الموجودةَ فيه، أو الصورَ المخزونةَ فيه، بطرائقَ متعدّدة. والطرائقُ كثيرة، ومن بينها طريقةٌ مشتركةٌ في جميعِ الأنواع، وهي البصر. والشعورُ يرى سجلَّه بالبصر، ويستعملُه ويُكرِّره. والبصرُ يعملُ في داخلِنا، وهو يرى مركزين؛ ففي إحدى مركزيّتَيه يكونُ النظرُ شعورًا، وفي الأخرى يكونُ غيبًا. وسواءٌ كان نظرُ البصرِ في الشعورِ أو في الغيب، وسواءٌ كان فرديًّا أو جماعيًّا، فإنّ الحقيقةَ أنّ بصرًا واحدًا يعملُ في كلا المركزين. والمشاهَدُ أنّه إذا كانت أمامَ أعينِنا شجرةُ لوزٍ، فإنّنا نقولُ: هذه شجرةُ لوز. ثمّ إذا سألنا فردًا آخرَ من النوعِ الإنسانيّ قالَ هو أيضًا: هذه شجرةُ لوز. وإذا سألنا آلافَ الأفرادِ، قالَ كلُّ واحدٍ منهم: هذه شجرةُ لوز. وهذا دليلٌ على أنّ البصرَ الذي يرى واحد. ولو كانتِ الأبصارُ اثنين لكان لكلِّ بصرٍ زاويةٌ مختلفة. وعندما نقولُ «اثنين» فإنّ كونَ الاثنينِ من الواحدِ يقتضي الاختلاف. فلو كان الأمرُ كذلك لرأى بصرٌ شيئًا ورأى بصرٌ آخرُ شيئًا آخر. ولذلك لا بدَّ من التسليمِ بأنّ للشعورِ مستوىً جماعيًّا تشتركُ فيه الكائنات.


نظرية اللون والنور

خواجۃ شمس الدين عظيمي

إن الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.