Topics
انتشر نور الإسلام في المدينة بسرعة عظيمة. مما أقض
مضاجع كفار مكة. فعقدوا مع اليهود عقوداً عسكرية تُعِينهم على التغلب السياسي على
المدينة. كما حالفوا القبائل المجاورة للمدينة. وكانت الممرات التجارية تقع على
مواقع القبائل الموالية لكفار قريش، وبالتالي تم فرض حصاري اقتصادي على المدينة.
والمرحلة القادمة من الخطة التي وضعوها تمثلت في محاولة رئيس المنافقين في
المدينة: عبد الله بن أبي بالاشتراك مع كفار مكة ـ حملَ قبيلة بني المصطلق على
الهجوم على المسلمين، وذلك لكي يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لمكافحة
هؤلاء الأعداء المهاجمين على المدينة، وبالتالي يخلو الجو له، فيثير فسادا وقتلاً
في المدينة.
وأدرك الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المكيدة، وأمر
باتخاذ خطوات احتياطية لمواجهة غارة بني المصطلق، وأعد سرية تشتمل على ثلاثين
مقاتلاً للرد عليهم. وتقدم إلى مناطق بني المصطلق. ولم تكن هؤلاء مستعدين لمواجهة
مثل هذه الأحوال. فانهزم جيشهم المكون من مئتي فارس، وتم أسرالقبيلة بأسرها.
كما وكل الرسول صلى الله عليه وسلم قيادةَ جماعة من
المقاتلين إلى عبد الله بن أبي المنافق، واستصحبه إلى المعركة. وبالتالي بقيت
جماعة المنافقين في المدينة دون قائد يقودهم أو أميريوجههم. وهذه الاستراتيجية
عملت على إفشال خطة الهجوم على المدينة.
وكانت من الأسرى ابنة رئيس القوم "برة". وقسم
الرسول صلى الله عليه وسلم الغنائم والأسارى، فكانت برة في سهم ثابت بن شماس.
فبكت، وقالت: إنها لاترضى أن تعيش أمَةً، فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم فداءها،
وأعتقها ثم تزوجها. وتعرف بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بـ "جويرية بنت
الحارث ".
وكانت قبيلة بني المصطلق كلها أقارب الجويرية، فأعتق
الصحابة كل الأسرى. وكان لبسالة المسلمين ولطفهم وكرمهم وحسن سلوكهم أثر طيب في
قلوب القوم، فأسلموا جميعاً.
وبينما
كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والجيشُ الإسلاميُّ مقيمين في ذلك الموضع، وقع
نزاعٌ يسيرٌ بين رجلين من المسلمين. فاغتنم عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ، وهو سيّئُ
النيّة، هذه الحادثةَ ليُثيرَ الفتنةَ بين المسلمين، فجاء إلى طائفةِ الأنصار وقال:
ليتني
متُّ قبلَ هذا اليوم، فما رأيتُ يومًا أذلَّ منه. لقد آويتم المهاجرين، وبذلتم لهم
أموالَكم، وضيّقتم على أنفسكم وأهليكم من أجلهم، فكان جزاؤكم أن كثروا في المدينة
حتى صرتم أقلّيّة، ثم صاروا يقابلونكم. وإنّي أرى أن تضربوهم وتُخرجوهم من المدينة
ليعرفوا قدرَهم.
ولمّا
لم ينجح عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ في إثارةِ الظنون في قلوبِ الأنصار تجاه إخوانهم من
المهاجرين، توجّه إلى جماعةِ المهاجرين وقال لهم: إنّكم تركتم ديارَكم وأموالَكم، وتحملتم مشقّاتِ
السفر، وتركتم نعيمَ الحياة من أجل الإسلام، ثم لم تنالوا إلا اللومَ وسوءَ الظنّ. ثم أظهر تعاطفًا وقال: في هذه المرّة خرجتم
بالخسارة، فقد حُرمتم من الغنائم. فالأنصارُ عندهم ديارٌ ومعايش، أمّا أكثرُ
المهاجرين فهم فقراءُ يعتمدون عليهم، فعدمُ حصولكم على الغنائم كان ضررُه عليكم
أعظمَ من الأنصار. ثم
أراد أن يُوقعَ الشكَّ في قلوبهم تجاه رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ
محمدًا صلى الله عليه وسلم قد عقد صلةً مع زعيمِ القوم، فاضطررتم إلى إطلاقِ
الأسرى دون مقابل، وها أنتم تعودون إلى المدينة بأيدٍ خالية، كما خرجتم منها أوّل
مرّة.
ولمّا لم يُحقِّق عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ نجاحًا يُذكر في
إثارةِ الظنون في قلوبِ أنصارِ المدينة تجاه إخوانهم من المهاجرين، توجّه إلى
جماعةِ المهاجرين وقال: لقد تركتم ديارَكم وأموالَكم، وتحملتم مشقّاتِ السفر،
وتركتم متاعَ الحياة من أجل الإسلام، ثم لم تنالوا إلا التوبيخَ وسوءَ الظنّ. ثم أظهر تعاطفًا وقال: في
هذه المرّة خسرتم كلَّ شيء، فقد حُرمتم من الغنائم. فالأنصارُ يملكون الدورَ
ووسائلَ المعيشة، أمّا أكثرُ المهاجرين فهم فقراءُ يعتمدون عليهم، فعدمُ حصولكم
على الغنائم كان ضررُه عليكم أعظم. ثم أراد أن يُوقِعَ الشكَّ في قلوبهم تجاه رسولِ الله صلى
الله عليه وسلم فقال: إنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أقام صلةً مع سيّدِ
القبيلة، فاضطررتم إلى إطلاقِ الأسرى دون مقابل، وها أنتم تعودون إلى المدينة
بأيدٍ خالية، كما خرجتم منها أوّل مرّة.
فلمّا بلغ سيّدَنا عليه الصلوٰة والسلام خبرُ إثارةِ
الفتنةِ من عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ، تألّم لذلك تألّمًا شديدًا، ثم خاطب المسلمين
بحكمتِه وكلامِ النبوّة، فدعاهم إلى الأُخوّةِ والمودّة. ثم أمر بالرحيلِ على
الفور، فتحرّك قافلةُ المسلمين وانطلقت.
وفي طريقِ العودةِ نزل القافلةُ في موضعٍ للاستراحة.
وكانت عائشةُ رضي الله عنها، زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، في هذا السفر،
فنزلت عن بعيرها لحاجةٍ لها. فلمّا ارتحل القومُ من جديد، كان الهودجُ مُغطّى،
فظنّوا أنّها فيه، ولم يشعروا بغيابها، فبقيت رضي الله عنها خلف القافلة.
وكان صفوانُ بنُ المُعطّل رضي الله عنه يتولّى السيرَ
خلف القافلة لالتقاطِ ما يسقط منها وردِّه إلى أصحابِه. فلمّا بلغ موضعَ النزول
وجد أمَّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها قد تخلّفت عن الركب، فأخبرته بما جرى. فعرض عليها أن تركب
بعيرَه، وأخذ يقودُه بنفسه.
وصلت القافلةُ الإسلاميّةُ إلى المدينة بسرعة، ثم قدم
صفوانُ رضي الله عنه ومعه أمُّ المؤمنين عائشةُ الصدّيقةُ رضي الله عنها بعد ذلك. وكان المنافقون لا
يَدَعون فرصةً لإثارةِ الشكوك بين أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فوجدوا في
ذلك مجالًا لإظهارِ خبثِهم وافتراءِ الكذب على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
فكان عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ مع أتباعِه ينشرون الفتنةَ في أزقّةِ المدينة من
الصباح إلى المساء، وأثاروا موجةً من البهتان على عِرضِ النبيِّ صلى الله عليه
وسلم. كما كان اليهودُ يسعون إلى الإضرارِ بالمسلمين، ولم
يُقصّروا في تأجيجِ الخلافات بين الأنصار والمهاجرين في غزوةِ بني المصطلق، وفي
نشرِ الإفك على سيّدةِ عائشةَ رضي الله عنها.
وكان حسانُ بنُ ثابتٍ رضي الله عنه شاعرًا بليغًا
فصيحًا، فعمل المنافقون على إثارةِ العصبيّة بين المهاجرين والأنصار، ودفعوه إلى
قولِ الهجاء في صفوانَ بنِ المعطّل رضي الله عنه. فبالاعتماد على الخيال، صوّروا حادثةً
موهومةً ووسّعوها حتى تأثّر بها بعضُ المسلمين البسطاء، ولم يسلموا من الوساوس. فاشتدّ حزنُ سيّدِنا عليه
الصلوٰة والسلام، وذكر أهلُ السير أنّ هذه الحال استمرّت نحوَ شهرٍ، عانت فيه
عائشةُ الصدّيقةُ رضي الله عنها ألمًا نفسيًّا شديدًا. حتى إنّه في يومٍ دخل
عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة، هل تعلمين ما يقول الناس في شأنك؟ ففاضت
عيناها بالدموع، وقالت بصعوبة: يا رسولَ الله، إنّ ما يُقال عنّي باطلٌ محض، وهو افتراء.
وفي
تلك اللحظة نزل الوحيُ ببراءةِ عائشةَ الصدّيقةِ رضي الله عنها، فنزلت آياتٌ من سورةِ
النور تُثبتُ طهارتَها.
قال
اللهُ تعالى:
إِنَّ
الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم
بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ
وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ۔ لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ
وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ۔ لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ۔ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ۔ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ
بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ
عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ۔ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا
يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ۔ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ
أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ۔ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ۔ (سورة النور۔۱۱۔۱۸)
إنَّ
نزولَ آياتِ البراءةِ في شأنِ عائشةَ رضي الله عنها من عندِ الله تعالى يُعدُّ بلا
شكٍّ من أعظمِ وجوهِ الإعجاز.
ومن
خلالِ هذا الحدثِ يتبيّنُ مقامُ المرأةِ في الإسلام وفضلُها، فقد سوّى اللهُ تعالى
بين الرجالِ والنساءِ في الأعمالِ والجزاء. وكما ذكر القرآنُ براءةَ يوسفَ عليه
السلام، كذلك نزلت آياتٌ في براءةِ عائشةَ رضي الله عنها.
قال
اللهُ تعالى في قصةِ يوسفَ عليه السلام:
وَكَذَٰلِكَ
مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
(٢١) َلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ
رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ
هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ
لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
الْمُخْلَصِينَ(٢٤)وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ
وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ
بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ
رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ
قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(٢٦) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ
قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ(٢٧) فَلَمَّا رَأَىٰ
قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ
عَظِيمٌ(٢٨)
يُوسُفُ
أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ
الْخَاطِئِينَ(٢٩)
وقال
اللهُ تعالى: يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
(الحجرات: ١٣)
وقال
اللهُ تعالى: إِنَّ
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ
اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (الأحزاب: ٣٥)
وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش الإسلامي معه ـ مقيماً بها، إذ اقتتل مسلمان
لبعض الأمور، فاستغل عبدا لله بن أبي ـ الدني ـ هذه الفرصة ولم يدعها تذهب سدى في
إثارة الخلاف و الشقاق بين المسلمين، فتوجه إلى منزل الأنصار في الجيش الإسلامي
وقال لهم: والله ما رأيت كاليوم قط، والله إن كنت لكارها لوجهي هذا، أنزلتموهم بلادكم
فنزلوا، وأسهمتموهم في أموالكم حتى استغنوا، و عرضتم لأجلهم أهليكم للضيق
الاقتصادي، أما والله لو أمسكتم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضوا بما
فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا، فقتلتم دونه، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا.
وإذاً يدركون قدرهم.
ولم يفز عبد الله بن
أبي بإثارة الضغينة في قلوب الأنصار تجاه إخوانهم المهاجرين كثيراً، فتوجه إلى
منازل المهاجرين في الجيش الإسلامي، وقال لهم: إنكم تركتم أموالكم ودياركم لأجل
الإسلام إلى المدينة، وعانيتم المشقات والمتاعب في سبيله، وهجرتم الراحة
والطمانينة له، ثم قوبلتم بالزجر وسوء الظن. وقال لهم عبد الله
ناصحاً: إنكم خسرتم خسارة عظيمة في هذه المرة، فحرمتم الغنيمة، والأنصارعندهم
الدور وأسباب المعاش ومعظم المهاجرين لامال لهم، يعتمدون على الأنصار. وحيث حرمتم
الغنيمة فقد خسرتم خسارة لم يخسرها الأنصار. ثم قال ـ لينفر المسلمين من الرسول
صلى الله عليه وسلم: إن محمداً صاهر رئيس القبيلة، فأطلقتم أساراكم بدون مقابل
حصلتموه. فعدتم إلى المدينة أصفار الأيدي كما خرجتم منها لهذه الرحلة الشاقة.
وأصيب رسول الله صلى الله
عليه وسلم من فتنة عبد الله بن أبي بكثير من الأسى والهم. ودعا الناس إلى الإخاء
وأمر بالرحيل على الفور. فارتحلت قافلة المسلمين.
و قفل الجيش، وكانت عائشة
رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم. فنزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، فلما
ارتحلوا منه وجدوا أستار الهودج مرخاة. فظنوها فيه. و كانت عائشة قد تخلفت عن
الركب.
وكان
صفوان بن المعطل يسير وراء الركب يتسقط المتاع، ويؤديه إلى أصحابه. فلما وصل إلى
منازلهم وجد عائشة قد تخلفت عن الركب. فأخبرته عائشة بما وقع. فقرب صفوان بن
المعطل إليها راحلته. فركبتها، وسار صفوان
آخذاً بلجامها يقودها، حتى قدم بها، وكان الجيش قد أسرع السير و وصل المدينة. والمنافقون لايفوتون فرصة تمكنهم من خلق سوء
التفاهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فوجدوا في ذلك فرصة لإبداء ما يكنه صدورهم
من الشحناء والافتراء على النبي صلى الله عليه وسلم. فكان عبد الله بن أبي مع أصحابه
يثير الفتنة في أزقة المدينة ليل نهار. ويوجه التهم إلى النبي المبرأ من كل عيب. وكان اليهود يتصدون لإضرار
المسلمين. ولم يدخروا جهداً في نشر الشائعات في اقتتال الأنصاري والمهاجري في غزوة
بني المصطلق، و الافتراء على عائشة رضي الله عنها كذلك.
وكان
حسان بن ثابت من الثابتين على الإسلام ثبوت الجبال، وشاعراً قديراً. وأثار
المنافقون العصبية بين المهاجرين والأنصار. وحمله على أن يهجو صفوان بن المعطل.
فنسج أشعاراً صادرة من تخيلاته، وبالغ فيها مبالغة لم تدع عامة المسلمين يسلمون من
الوساوس الشيطانية. وكل ذلك تسبب في قلق الرسول صلى الله عليه وسلم وحزنه.
ويقول
المؤرخون المسلمون: إن هذا الوضع استمر نحو
شهر. ولقيت عائشة خلال ذلك من المتاعب النفسية والألم الشديد كثيراً حتى
دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال له: أتدرين ما يقول الناس عنك ؟
فسالت عينُ عائشة دموعاً، ولم تستطع أن تقول إلا بشق النفس: يارسول الله، ما يقول
الناس عني كله كذب وافتراء.
وفي
نفس الوقت نزل الوحي، ونزلت آيات سورة النور ببراءة عائشة رضي الله عنها، قال الله
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا
لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ
ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ
مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا
بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا
أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ
بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ
اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ
نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ
أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ
تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ
يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَ الْمُهَاجِرِينَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ
الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
(23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ
أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ
لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ
مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ
فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)
[النور:11ـ 29]
إن
نزول هذه الآيات من الله تعالى ببراءة عائشة رضي الله عنها معجزة كبيرة. كما يدل
هذه القصة على مكانة المرأة ي الإسلام وفضلها.
كما
أن القرآن الكريم ذكر براءة يوسف عليه السلام، كذلك ذكر براءة عائشة رضي الله عنه،
قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ
تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي
أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ
وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ
وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ
وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا
جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
(25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ
قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ
قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى
قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
(28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ
الْخَاطِئِينَ (29) [يوسف:21ـ 29]
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات:13].
وقال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ
وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ
اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [ الأحزاب:35]
المصادر:
خواجۃ شمس الدين عظيمي
تعني كلمة "معجزة"، فنيا، ظاهرة ميتافيزيقية يأتي بها رسول من الله للبرهنة على حقيقة معرفته النبوية.
كما أن العديد من البشر الآخرين، إلى جانب الأنبياء، قد أتوا بأعمال لها طبيعية ميتافيزيقية. وتعد العديد من الأحداث المشابهة التي تم رصدها في التاريخ دليلا على هذه الحقيقة. فالأتقياء والصالحون يأتون بمثل هذه الأعمال الميتافيزيقية بغرض تحذير وإخطار وإرشاد البشر. وقد كتب قلندر بابا أولياء في كتابه الرائع ”لوح وقلم“:
”يأتي التأثير الوصالي على ثلاثة أنواع.