Topics
«ذاتَ يومٍ
صعدَ جدّي تاجُ الدين الناغبوري ؒ جبلًا في غابةِ واكي شريف بالهند، ومعه جماعةٌ
من الناس. فابتسمَ وقال:
"يا إخوان، من كان يخافُ الأسدَ فليذهبْ. أمّا أنا فسأستريحُ هنا قليلًا،
وأظنُّ أنّ الأسدَ سيأتي لا محالة. فليبقَ ما شاءَ له أن يبقى. اذهبوا أنتم، وكلوا
واشربوا وتنزّهوا."
فاختبأ بعضُ القومِ هنا وهناك، وابتعدَ آخرونَ إلى مسافاتٍ بعيدة.
وكانَ الفصلُ صيفًا، وكانتْ ظلالُ الأشجارِ والنسائمُ الباردةُ تُشيعُ في
النفسِ سكينةً عذبة. وكانَ الجدُّ قد اضطجعَ على عشبٍ كثيف، وأغمضَ عينيه، بينما
خيّمَ الصمتُ على المكانِ كلِّه.
ولم تمضِ سوى دقائقَ قليلةٍ حتّى بدا الغابُ موحشًا مهيبًا. ثمّ انقضتْ
فترةٌ أخرى كأنّها انتظارٌ طويلٌ شديد. ولم يكنِ الانتظارُ لناسكٍ أو جوكيٍّ أو
أوتارٍ أو وليٍّ أو إنسان، بل كانَ لسبعٍ مفترسٍ أخذَ يتحرّكُ في مخيّلتي خطوةً
بعدَ خطوة.
وفجأةً اتّجهتِ الأبصارُ نحوَ الجدِّ. وإذا بأسدٍ طويلِ القامةِ يصعدُ
المنحدرَ في تؤدةٍ ووقار، ويتقدّمُ بكلِّ أدبٍ نحوَ موضعِه.
وكانَ الأسدُ ينظرُ إلى تاجِ الدينؒ بعينينِ نصفِ مغمضتين. ثمّ ما لبثَ أن
اقتربَ حتّى بلغَ قدميه. وكانَ الجدُّ غارقًا في نومٍ عميق. فأخذَ الأسدُ يلمسُ
أخمصي قدميه بلسانِه، ثمّ أغمضَ عينيه بعدَ دقائقَ في هيئةٍ من السكونِ
والاستغراق، ووضعَ رأسَه على الأرض.
وبقيَ تاجُ الدينؒ نائمًا. ثمّ تشجّعَ الأسدُ قليلًا وأخذَ يلعقُ أخمصي
قدميه. فاستيقظَ الجدُّ على أثرِ ذلك، وجلسَ، وربّتَ على رأسِ الأسدِ وقال:
"لقد جئتَ إذن. أمّا الآنَ فقد أصبحتَ في تمامِ الصحّة، وإنّي سعيدٌ جدًّا
إذ أراكَ معافًى. حسنًا، اذهبْ الآن."
فهزَّ الأسدُ ذيلَه في امتنانٍ ظاهر، ثمّ انصرف.
وقد تأمّلتُ كثيرًا في هذهِ الحادثة. ولا يعلمُ أحدٌ هل سبقَ للأسدِ أن
جاءَ إلى حضرةِ الجدِّ من قبلُ أم لا. غيرَ أنّ المرءَ يضطرُّ إلى الاعتقادِ بأنّ
بينهما معرفةً ذهنيّةً سابقة.
ولا أرى لهذهِ المعرفةِ سبيلًا إلا أنّ الموجاتِ الصادرةَ عن "الأنا"(ego) كانتْ
تتبادلُ بينَ الجدِّ والأسد، فكانتْ سببًا لهذا اللقاء.
وهذهِ الطريقةُ من الكشفِ معروفةٌ عندَ العارفين، غيرَ أنّ هذهِ الحادثةَ
دلّتْ على أنّ الكشفَ يوجدُ في الحيواناتِ أيضًا على هذا النحو. فالكشفُ ـ من هذهِ
الجهة ـ مشتركٌ بينَ الإنسانِ وسائرِ المخلوقات.»
ينبغي أن يُرسَّخَ هذا القانونُ في الذهنِ بعدَ كثيرٍ من التفكّر؛ فكما أنّ
الأفكارَ تجولُ في أذهانِنا، فإنّ كثيرًا منها لا يرتبطُ ارتباطًا مباشرًا
بشؤونِنا الخاصّة، بل يتعلّقُ بمخلوقاتٍ قريبةٍ أو بعيدةٍ موجودةٍ في مكانٍ ما من
الكون. وتصلُ إلينا تصوّراتُ هذهِ المخلوقاتِ عن طريقِ الأمواج. وعندما نحاولُ
ربطَ تلكَ التصوّراتِ بحياتِنا الخاصّة، نعجزُ ـ رغمَ المحاولاتِ الكثيرة ـ عن
إيجادِ صلةٍ واضحةٍ بينها وبينَ واقعِنا.
وأمّا أمواجُ الأنا التي سبقَ ذكرُها، فإنّ فيها أمورًا جديرةً بالتأمّل.
فالعلماءُ يعدّونَ الضوءَ أسرعَ ما نعرفُه من الظواهر، غيرَ أنّه ليسَ من السرعةِ
بحيثُ يقطعُ المسافاتِ الزمانيّةَ والمكانيّةَ قطعًا تامًّا. أمّا أمواجُ الأنا
فإنّها حاضرةٌ في اللّاتناهي في آنٍ واحد، وتبقى المسافاتُ الزمانيّةُ والمكانيّةُ
واقعةً ضمنَ نطاقِها. وبعبارةٍ أخرى، يمكنُ القولُ إنّ هذهِ الأمواجَ لا تعترفُ
أصلًا بوجودِ المسافاتِ الزمانيّةِ والمكانيّة. فإذا كانتْ أمواجُ الضوءِ تُقلِّصُ
المسافات، فإنّ أمواجَ الأنا لا ترى تلكَ المسافاتِ موجودةً من الأساس.
لقد جرى بينَ البشرِ، منذُ بدءِ الخليقة، أسلوبُ التفاهمِ بالكلام.
فالأمواجُ الصوتيّةُ التي تُحدَّدُ معانيها تُبلِّغُ السامعينَ ما يُرادُ إبلاغُه.
وهذا الأسلوبُ ليسَ إلّا صورةً من صورِ التبادلِ القائمِ بينَ أمواجِ الأنا.
وقد لوحظَ أنّ الإنسانَ الأبكمَ يستطيعُ أن يُفصحَ عمّا يريدُ بحركاتٍ
خفيّةٍ من شفتيه، وأنّ أهلَ الفهمِ يدركونَ مقصودَه كلَّه. وهذا أيضًا انعكاسٌ
لذلكَ التبادلِ الأصلي.
وكذلكَ تتفاهمُ الحيواناتُ فيما بينها من غيرِ أصواتٍ مسموعة، وهنا أيضًا
تؤدّي أمواجُ الأنا دورَها. كما أنّ الأشجارَ تتخاطبُ فيما بينها، ولا يقتصرُ هذا
التخاطبُ على الأشجارِ المتجاورة، بل يشملُ أيضًا الأشجارَ البعيدةَ التي تفصلُ
بينها آلافُ الأميال.
وهذا القانونُ نفسُه جارٍ في الجماداتِ كذلك؛ فالحصى والأحجارُ وذرّاتُ
الترابِ يجري بينها تبادلٌ للمعاني على نحوٍ مماثل.