Topics

الصيغ الخَلْقية

 

ومن الحقائقِ القائمةِ على التأمّلِ في سلسلةِ النسلِ أنّ الإنسانَ والكلبَ والقطَّ يشتركونَ في أصلِ عمليّةِ الخلقِ من حيثُ النوع. فعندما يمتزجُ سائلٌ تناسليٌّ بسائلٍ تناسليٍّ آخرَ، ثمّ يستقرُّ في القالبِ التَّخليقيِّ، تبدأُ عمليّةُ النموِّ وفقَ مسارٍ مخصوص. وفي الليلةِ الأولى يكونُ هذا المزيجُ بمقدارِ حبّةِ البازلاء، ثمّ لا يلبثُ أن ينمو شيئًا فشيئًا حتّى يصيرَ صورةً حيّةً واعيةً تُبصرُ وتبتسمُ وتسمعُ وتحسّ.

وتشتملُ هذهِ الصورةُ على عشرةِ منافذَ تقومُ عليها الحياةُ كلُّها، وترتبطُ بها قدراتُ الإنسانِ ووظائفُه. فالكلامُ، والسمعُ، والشمُّ، وتنقيةُ الجسدِ من الموادِّ السامّةِ والفاسدة، والمحافظةُ على الحياةِ المادّيّة؛ كلُّ ذلكَ قائمٌ على هذهِ المنافذِ العشرة. فإذا تعطّلَ واحدٌ منها عن أداءِ وظيفتِه، أو فُقِدَ أصلًا، وقعَ في حياةِ الإنسانِ نقصٌ بقدرِ ذلك، فأصبحَ عاجزًا أو ضعيفَ القدرةِ أو فاقدًا لبعضِ وظائفِه.

وتوزيعُ هذهِ المنافذِ على النحوِ الآتي:    

فثقبا الأذنين يُكوِّنانِ حاسّةَ السمعِ لدى الإنسان. وثقبا العينينِ يُكوِّنانِ حاسّةَ البصر، إذ ينقلانِ صورَ العالمِ الخارجيِّ إلى شاشةِ الدماغ، فيتولّدُ من ذلكَ إدراكُ وجودِ الأشياء، ثمّ يمرُّ هذا الإدراكُ بمراحلَ متعدّدةٍ حتّى يصيرَ جزءًا من الإحساس.

وثقبا الأنفِ يمنحانِ الإنسانَ حاسّةَ الشمّ. أمّا الفمُ والحلقُ فيكفلانِ له الاكتفاءَ في شؤونِ الغذاءِ؛ فمن جهةٍ تتوقّفُ عليهما حاجاتُه الغذائيّةُ كلُّها، ومن جهةٍ أخرى يهبانِه القدرةَ على النطقِ والكلام.

وأمّا المنفذُ التاسعُ فهو، إلى جانبِ كونهِ وسيلةً للتخلّصِ من بعضِ الكثافات، سببٌ في استمرارِ النسلِ والتكاثر. والمنفذُ العاشرُ هو المخرجُ الذي تُطرَحُ من خلالِه الفضلاتُ المتبقّيةُ بعدَ استخلاصِ الطاقةِ (Energy) من الغذاءِ.

وهذا نظامٌ متواصلٌ قائمٌ على الدوام، وسيظلُّ قائمًا إلى قيامِ الساعة.

وعندما نتأمّلُ في انشقاقِ البذرةِ، نلاحظُ ظهورَ ثلاثةِ عناصرَ: ساقٍ واحدةٍ وورقتين. ومن هذا الفعلِ التَّخليقيِّ يتّضحُ أنّ كلَّ شيءٍ وكلَّ موجودٍ قائمٌ على وجهين، ثمّ تتفرّعُ هاتانِ الجهتانِ إلى وجوهٍ متعدّدة.

والإنسانُ أيضًا صورةٌ مؤلَّفةٌ من وجهين؛ ففيه دماغان: أحدُهما في الجانبِ الأيمنِ والآخرُ في الجانبِ الأيسر. وله عينان، ومنخران. والحلقُ يبدو واحدًا في الظاهر، غيرَ أنّ فيه قطعةً لحميّةً متدلّيةً تجعلُه منقسمًا إلى قسمين. وله يدان، وساقان، وقدمان، وكِليتان، ورئتان.

وإذا أُخضعَ القلبُ للتشريحِ، تبيّنَ أنّه منقسمٌ في أصلِ بنيتِه إلى قسمين بواسطةِ حاجزٍ (Septum). وعلى هذا القياس، فإنّ تحليلَ الجسدِ المادّيِّ يُلزمُنا بالإقرارِ بأنّ خَلْقَ الإنسانِ قائمٌ على الثنائيّة.

ومع مزيدٍ من التأمّلِ والبحث، يتبيّنُ لنا أنّ النوعَ الإنسانيَّ وسائرَ الأنواعِ قائمةٌ هي الأخرى على وجهين: ذكرٍ وأنثى، ورجلٍ وامرأة، وأبٍ وأمّ.

قانونُ الانجذابِ الجنسيّ

يُخبرُنا قانونُ الخلقِ أنّ وجودَ الرجلِ قائمٌ أيضًا على وجهين، وأنّ وجودَ المرأةِ قائمٌ كذلكَ على وجهين. فالمرأةُ يكمنُ في باطنِها الرجلُ ، والرجلُ تكمُنُ فيه المرأةُ. ولو لم تكنْ حوّاءُ كامنةً في آدمَ لما أمكنتْ ولادةُ حوّاء. والمثالُ الآخرُ هو ولادةُ آدمَ من داخلِ حوّاء، وهو الذي سمّتْه الكتبُ السماويّةُ «عيسى». وهكذا فإنّ كلَّ فردٍ مركّبٌ من طبقتين: طبقةٍ ظاهرةٍ وغالبة، وطبقةٍ باطنةٍ ومغلوبةٍ ومستورة. فالرجلُ والمرأةُ كلاهما مركّبٌ من وجهين: وجهٍ ظاهرٍ ووجهٍ باطن.

وفي المرأةِ يتجلّى الوجهُ الظاهرُ في ملامحِ الأنوثةِ وصفاتِها التي نراها، أمّا الوجهُ الباطنُ فهو الذي لا يظهرُ للعيان. وكذلكَ الرجلُ، فإنّ وجهَه الظاهرَ يتمثّلُ في ملامحِ الرجولةِ وصفاتِها المشهودة، أمّا وجهُه الباطنُ فيبقى خفيًّا مستورًا.

والمقصودُ من ذلكَ أنّ الرجلَ الذي نراهُ بوصفِه رجلًا إنّما هو وجهُه الظاهر، وأنّ المرأةَ التي نراها بوصفِها امرأةً إنّما هي وجهُها الظاهر. أمّا الوجهُ الباطنُ المناقضُ للوجهِ الظاهرِ فهو ملتصقٌ به ومصاحبٌ له؛ فالمرأةُ كامنةٌ مع الوجهِ الظاهرِ للرجل، والرجلُ كامنٌ مع الوجهِ الظاهرِ للمرأة.

وقانونُ التناسلِ وقانونُ الانجذابِ الجنسيِّ كلاهما قائمانِ على هذينِ الوجهين. فالرجلُ الكامنُ في باطنِ المرأةِ، لكونِه مغلوبًا ولم يتجلَّ في صورةٍ ظاهرة، يريدُ الوجهَ الغالبَ الكاملَ ويسعى إلى الاندماجِ فيه ويظلُّ مشتاقًا إليه. وكذلكَ المرأةُ الكامنةُ في باطنِ الرجلِ، لكونِها مغلوبةً وغيرَ مكتملة، فإنّها تسعى هي الأخرى إلى الالتحامِ بالوجهِ الظاهرِ للمرأةِ طلبًا للكمال.

والمعنى أنّ الانجذابَ الجنسيَّ ليس قائمًا في الرجلِ أو المرأةِ اللذينِ تراهما أعينُنا، بل إنّ الوجهَ الكامنَ في المرأةِ يريدُ أن يلتئمَ بالرجلِ الذي يظهرُ لنا في صورةٍ حيّةٍ واعية، كما أنّ الوجهَ الكامنَ في الرجلِ يريدُ أن يلتئمَ بالمرأةِ الظاهرة. وهذا ما يُسمّى في العرفِ العامِّ «الغريزةَ الجنسيّة».

وكثيرًا ما تقعُ أمامَنا حوادثُ التحوّلِ الجنسيّ، وسببُ ذلكَ أنّ تحرّكاتِ الوجهِ الباطنِ تصبحُ شديدةَ السرعةِ والقوّةِ حتّى تغلبَ على تحرّكاتِ الوجهِ الظاهر، فتبدو هذهِ الأخيرةُ وكأنّها معطّلةٌ أو معدومة. ويقعُ هذا التحوّلُ حينَ يغلبُ الوجهُ الباطنُ الأنثويُّ في الرجل، فتُغلَبُ خصائصُه الرجوليّةُ الظاهرة، فيتحوّلُ الرجلُ إلى امرأة. وكذلكَ وكذلك إذا غلب الوجهُ الباطنُ الذكوريُّ في المرأةِ تحوّلتْ إلى رجلٍ.

Topics


Qalandar Shaoor Arabic

خواجہ شمس الدین عظیمی