Topics

لاشعورٌ واحد

 

وتشهدُ على ذلكَ وقائعُ كثيرةٌ رُويتْ عن الأنبياءِ عليهم السلام وعن أصحابِ القدراتِ الرّوحانيّة، إذ تدلُّ على أنّ لاشعورًا واحدًا يسري في الكونِ كلِّه. ومن خلالِه تفهمُ كلُّ موجةٍ من أمواجِ الغيبِ والشهودِ معانيَ الموجةِ الأخرى، مهما تباعدَ موضعُهما في أرجاءِ الكون.

وإنّ فراسةَ الغيبِ والشهودِ ومعانيهما هي شريانُ الحياةِ في الكون. ومن خلالِ التفكّرِ والتوجّهِ إلى هذا الشريانِ، الذي هو في الوقتِ نفسِه شريانُ حياتِنا نحن، يمكنُنا أن نطّلعَ على أحوالِ كوكبِنا والكواكبِ الأخرى وآثارِها.

كما يمكنُنا أن نتعرّفَ إلى تصوّراتِ البشرِ والحيوانات، وإلى حركاتِ الجنِّ والملائكةِ وسكناتِهم، وإلى التحرّكاتِ الباطنةِ في النباتاتِ والجمادات.

ومع استمرارِ التوجّهِ والتركيز، يذوبُ الذهنُ في اللاشعورِ الكونيّ، وتتحرّرُ الطبقةُ المصطنعةُ التي تُكوِّنُ ظاهرَ شخصيّتِنا من قبضةِ الأنا، فتُبصرُ الأشياءَ وتفهمُها بحسبِ الحاجة، ثمّ تحفظُها في الذهن.

مثاليٌّ للمجتمع

إنَّ القِيَمَ التي تقومُ عليها حياةُ الحيواناتِ الاجتماعيّةُ تُشابهُ إلى حدٍّ كبيرٍ القِيَمَ السائدةَ في المجتمعِ الإنسانيّ، الأمرُ الذي يقدّمُ لنا دليلًا على ما تمتلكُه الحيواناتُ من يقظةٍ عقليّة. ومن أمثلةِ ذلك ما نعرضُه على القارئ.

ومن هذهِ الأمثلةِ فردٌ من فصيلةِ الحشراتِ هو «نحلةُ العسل». فالنحلُ (Honey Bees) يعيشُ في مستعمرةٍ داخلَ خليّةٍ تتألّفُ من آلافِ الحجراتِ السداسيّةِ الصغيرةِ المصنوعةِ من الشمع. وفي كلِّ مستعمرةٍ ملكةٌ واحدة، ويبلغُ عددُ الذكورِ فيها نحوَ ألفي نحلة، أمّا الإناثُ فيقاربُ عددُها عشرينَ ألفًا. والنحلاتُ العاملاتُ ـ مع كونِها إناثًا ـ لا تمتلكُ القدرةَ على وضعِ البيوض.

وتكونُ الملكةُ أجملَ من سائرِ النحل، وتبقى دائمًا داخلَ الخليّة. وهي تضعُ في اليومِ الواحدِ ما بينَ ألفِ بيضةٍ وألفي بيضة. وتنقسمُ البيوضُ إلى نوعين: بيوضٍ مُلقّحةٍ (Fertilized Eggs) وبيوضٍ غيرِ مُلقّحةٍ (Unfertilized Eggs). فالبيوضُ المُلقّحةُ يخرجُ منها الملكاتُ والنحلاتُ العاملات، أمّا غيرُ المُلقّحةِ فيخرجُ منها الذكور. وتبقى جماعةٌ من النحلِ في خدمةِ الملكةِ على الدوام، ترعاها وتعتني بها من جميعِ الوجوه. ومتوسّطُ عمرِ الملكةِ ثلاثُ سنوات. وما دامتْ تؤدّي شؤونَ الإدارةِ على أحسنِ وجه، استمرّتِ النحلاتُ الحارساتُ في خدمتِها، فإذا قصّرتْ في واجباتِها أو تقدّمَ بها العمرُ، اجتمعتْ عليها الحارساتُ ومعهنّ سائرُ النحلِ، فيقتلنَها باللسع. ثمّ تُعلِنُ بعضُ النحلاتِ خبرَ موتِ الملكةِ للمستعمرةِ كلِّها بإصدارِ صوتٍ مخصوصٍ والطيرانِ حولَ الخليّةِ عدّةَ مرّات.

ولانتخابِ ملكةٍ جديدة، تبحثُ النحلاتُ العاملاتُ عن بيوضٍ مُلقّحةٍ مضى عليها ثلاثةُ أيّام، ثمّ تعتني بها. وبعدَ مدّةٍ تخرجُ منها اليرقات، فتُطعِمُها حبوبَ اللقاحِ ورحيقَ الأزهار. ثمّ تتكوّنُ حولَها أغمادٌ تُعرفُ بمرحلةِ العذراء (Pupa)، فتسدُّ العاملاتُ حجراتِها بالشمع. وبعدَ خمسةَ عشرَ يومًا تتحوّلُ إلى نحلاتٍ بالغةٍ تخرجُ من الحجرات. فتُختارُ إحداهنَّ ملكةً، أمّا الملكاتُ الأخرياتُ فيغادرنَ ويؤسّسنَ مستعمراتٍ جديدة.

والنحلاتُ العاملاتُ أصغرُ حجمًا من الملكة، ومتوسّطُ عمرِ الواحدةِ منها شهرانِ فقط، تقضيهما في العملِ الدؤوب. وتبدأُ عملَها منذُ اليومِ الثالثِ لخروجِها من البيضة. وهي التي تبني الخليّة، إذ تحتوي أجسامُها على غددٍ تُنتجُ الشمعَ اللازمَ للبناء. وتنقسمُ الخليّةُ إلى أقسامٍ متعدّدة؛ فالجزءُ الأوسطُ الأكبرُ والأكثرُ تهويةً مخصّصٌ للملكة، كما توجدُ مئاتُ الحجراتِ للذكور، وعددٌ كبيرٌ من الحجراتِ للإناث، فضلًا عن مخازنَ للعسلِ وأخرى لحبوبِ اللقاح.

Topics


Qalandar Shaoor Arabic

خواجہ شمس الدین عظیمی