Topics
ومن خلالِ الوقائعِ الكثيرةِ التي مرّتْ بي ترسّخَ في نفسي يقينٌ راسخٌ
بأنّ اللهَ وحدَه هو الكفيلُ بكلِّ حاجة. فقد وعدَ اللهُ أنّه الرزّاق، وهو على
كلِّ حالٍ يُوصلُ الأرزاقَ إلى عبادِه. كما أنّ أولياءَ اللهِ المرتبطينَ بشؤونِ
التكوين، والذينَ وصفهم اللهُ بأنّهم خلفاؤه في الأرض، قائمونَ بما أُنيطَ بهم من
خدمةِ الخلقِ وتوفيرِ أسبابِ بقائِهم.
ومن العجيبِ أنّ اللهَ يخلقُ بمشيئتِه، ويُبقي الإنسانَ حيًّا ما شاء، فإذا
لم يشأ لم يستطعِ الإنسانُ أن يبقى حيًّا ثانيةً واحدة. ومع ذلكَ يظنُّ الإنسانُ
أنّه يعيشُ باختيارِه، وأنّ نظامَ معاشِه قائمٌ بإرادتِه واستقلالِه.
فعندما يحصدُ الفلّاحُ زرعَه يجمعُ الحبوبَ حبّةً حبّة، حتّى إنّه يجمعُ
الحبوبَ التالفةَ أو التي أفسدتها الديدانُ ليُطعمَها للدواب. والأرضُ التي تُفصلُ
فيها حبوبُ القمحِ عن سنابلِها وتُنظَّفُ تنظيفًا كاملًا، إذا بحثتَ فيها فلن تجدَ
إلّا قليلًا من الحبوب.
ومع ذلكَ نرى طيورَ اللهِ وهي تلتقطُ الحبَّ بأعدادٍ لا تُحصى، بالملياراتِ
والبلايين. وهنا يبرزُ سؤالٌ يحيّرُ الفكر: إذا كانَ الفلّاحُ لا يتركُ حبّةً
واحدةً في الأرض، ولم تُخصَّصْ لهذهِ الطيورِ مزارعُ تزرعُ من أجلِها، فمن أينَ
تجدُ رزقَها؟
إنّ القانونَ الجاري هو أنّ سربَ الطيورِ عندما يهبطُ إلى الأرضِ قاصدًا
التقاطَ الحبّ، فإنّ القدرةَ الإلهيّةَ تُهيِّئُ له رزقَه قبلَ أن تمسَّ مخالبه
الأرض. فلو كانَ رزقُ الطيورِ متوقّفًا على ما يتركه الفلّاحون، لهلكتِ الطيورُ
جميعًا جوعًا.