Topics
إنّ اللهَ يريدُ أن يبقى كلُّ ما في الكونِ في حركةٍ دائمةٍ مستمرّة.
والذينَ يقبلونَ هذا الأمرَ الإلهيَّ وهذهِ الإرادةَ وهذا الوصفَ، ويسلكونَ سبيلَ
السعيِ والاجتهاد، يصبحونَ أعضاءَ في الكون، وهذهِ العضويّةُ هي التي تُبقي الكونَ
متحرّكًا وفعّالًا.
وهنا يبرزُ سؤالٌ: لو أنّ اللهَ جعلَ بعضَ أفرادِ النوعِ الإنسانيِّ عندَ
ولادتِهم متأخّرينَ ذهنيًّا أو فاقدي التوازنِ العقليِّ أو مختلّي الإدراك، فماذا
يستطيعونَ أن يفعلوا؟ وأيُّ نوعٍ من التقدّمِ يمكنُ أن يتحقّقَ على أيديهم؟ ألسنا
نرى أنّ بعضَ الأطفالِ يولدونَ وهم لا يدركونَ أصلًا معنى التقدّمِ أو الانحدار؟
وقد بيّنّا آنفًا أنّ الذينَ ارتبطتْ قلوبُهم باللهِ يدركونَ أنّ اللهَ
محيطٌ بكلِّ عملٍ من أعمالِ الحياة. فإذا ترسّخَ هذا النمطُ الفكريُّ في إنسانٍ
ترسّخًا كاملًا، سُمِّي في اصطلاحِ الروحانيّةِ مستغنيًا.
وعندما يبلغُ الإنسانُ مقامَ الاستغناءِ يتكوّنُ في داخلِه نمطٌ فكريٌّ
يجعلهُ يشعرُ بأنّ له صلةً قائمةً بوجودٍ محيطٍ بحياتِه كلِّها. ومع تكرارِ هذا
الشعورِ يتحوّلُ إلى صورةٍ مشهديّةٍ ظاهرة، فيرى كأنّ هناك دائرةً من نورٍ وهو
داخلَ تلكَ الدائرة. وتلكَ الدائرةُ نورٌ يحيطُ بالكونِ كلِّه بما فيه الإنسان.
وقد بيّنتِ الكتبُ السماويّةُ هذهِ الحقيقةَ بوضوحٍ بالغ، إذ تُخبرُ أنّ
السماواتِ والأرضَ قائمتانِ على نورٍ يربطُ كلَّ شيءٍ باللهِ في كلِّ آنٍ ولحظة.
فإذا استقرّتْ نظرةُ المستغني على تلكَ الدائرةِ أو على تلكَ الهالةِ
النورانيّة، انكشفتْ أمامَه القوانينُ التي تتمُّ بها عمليّةُ الخلق.
إنّ أهلَ الجنّةِ هم الذينَ فهموا تعاليمَ الكتبِ السماويّةِ على الوجهِ
الذي فهمَها به الأنبياء. وسكّانُ الجنّةِ هم الذينَ شملتهم عنايةُ اللهِ ورحمتُه.
والذينَ شملتهم عنايةُ اللهِ هم أولياءُ الله. ولمّا كانَ اللهُ منزّهًا عن
الخوفِ والحزنِ والاضطراب، انعكسَ أثرُ هذهِ الصفةِ على أوليائِه، فلا خوفٌ عليهم
ولا هم يحزنون.
أمّا الذينَ ليسوا من أولياءِ الله، فإنّ أجواءَ الجنّةِ لا تنسجمُ معهم
ولا تقبلُهم، ويكونونَ من أهلِ النار.
فإذا كانَ الخوفُ والحزنُ قائمينِ في الإنسان، فإنّه ـ بحسبِ القانونِ الذي
بيّنهُ الله ـ لم يبلغْ مقامَ ولايةِ الله. ومن لم يكنْ من أولياءِ اللهِ فإنّ
الجنّةَ لا تقبلُه.