Topics
قالَ اللهُ تعالى إنّه آتى داودَ وسليمانَ علمًا أوحاهُ وألهمَه من عندِه.
فالإلهامُ، سواءٌ جاءَ عن طريقِ السماعِ أو عن طريقِ مشاهدةِ مشهدٍ ما، فإنّه في
نهايةِ المطافِ من عندِ الله. ولأنّ الأنبياءَ يتلقّونَ العلمَ عن طريقِ الوحي،
فإنّ كلَّ خاطرٍ أو علمٍ يَرِدُ إلى الذهنِ من عندِ اللهِ إنّما هو علمٌ من علومِه.
وإنّ الاختراعاتِ العلميّةَ المختلفةَ، كالطائرةِ والحاسوبِ والتلفازِ
والهاتفِ وغيرِها، لم تظهرْ إلّا حينَ أُلهمَ الناسُ معارفَ جديدةً في ميدانِ
الاختراعِ والإبداع؛ إذ لا يمكنُ لشيءٍ أن يدخلَ حيّزَ الوجودِ ما لم يسبقْه علمٌ
به. والإنسانُ ينالُ ما يسعى إليه ويبحثُ عنه. وليسَ من سُنّةِ اللهِ في ذلكَ أن
يُفرِّقَ بينَ من يؤمنُ به ومن لا يؤمنُ به.
القانونُ هو أنّ الإنسانَ إذا انصرفَ بكلِّ قواهِ وطاقاتِه إلى طلبِ شيءٍ
ما، وجعلَ البحثَ عنه غايةً لحياتِه، فإنّه يظفرُ به. وهذهِ هي سنّةُ الله؛ كانتْ
جاريةً في الماضي، وهي جاريةٌ في الحاضر، وستبقى جاريةً في المستقبل. وقد لخّصَ
مشايخُنا هذا المعنى في قولِهم: «من جدَّ وجد».
فقد انشغلَ كثيرٌ من الناسِ بالبحثِ عن معدنِ اليورانيوم (Uranium) الكامنِ في باطنِ الأرض، وسخرَ منهم آخرون، غيرَ أنّهم
واصلوا عملَهم بإصرارٍ ومثابرةٍ حتّى عثروا عليه. وهو المعدنُ الذي أصبحَ ذا
أهمّيّةٍ كبيرةٍ في صناعةِ القنبلةِ الذرّيّة.
ولم يذكرِ القرآنُ الكريمُ وسائرُ الكتبِ السماويّةِ قصّةَ سليمانَ عليه
السلام لمجرّدِ روايةِ حكايةٍ تُثيرُ الإعجابَ أو الدهشة، فاللهُ سبحانهُ غنيٌّ عن
ذلك. وإنّما المقصودُ أن يتعلّمَ الناسُ منها وأن يسلكوا سبيلَ الهداية. وقد
تضمّنتِ القصّةُ ذكرَ الجنِّ أيضًا، وبيّنتْ أنّهم قد يخضعونَ للإنسان. فإذا بحثَ
الناسُ في الكتبِ السماويّةِ عن ذلكَ العلمِ الذي عُبِّرَ عنه بـ «علمِ الكتاب»،
فإنّهم يجدونَ علمًا يمنحُ الإنسانَ تفوّقًا على الجنِّ وعلى كثيرٍ من مظاهرِ
الكون.
إنّ تأخّرَ الهدهدِ في المجيءِ، ثمّ إخبارَه سليمانَ عليه السلام بأمرِ
ملكةِ سبأ وقومِها، وحملَه الرسالةَ إليها، كلُّ ذلكَ يشتملُ على معانٍ ودلالاتٍ
لا تخلو من الحكمة.
فمن هذهِ الحكمِ أنّ سليمانَ عليه السلام ـ مع كونِه إنسانًا ـ كانَ يحكمُ
الإنسَ والجنَّ والطيرَ والوحوش. والحكمةُ الثانيةُ أنّ أحدًا من هؤلاءِ لم يكنْ
يجرؤُ على العصيان، ولو فعلَ لنالَ العقوبة، كما ظهرَ في قولِه بشأنِ الهدهد.
والحكمةُ الثالثةُ أنّ اللهَ كانَ يرزقُ هذا الجيشَ العظيمَ، على كثرةِ ما يضمّه
من جنٍّ وإنسٍ وطيرٍ وغيرِ ذلك.
كما تُشيرُ القصّةُ إلى وجودِ عفريتٍ من الجنِّ كانَ قادرًا على الإتيانِ
بعرشِ ملكةِ سبأ من اليمنِ إلى بيتِ المقدسَ في مدّةٍ قصيرة، مع أنّ المسافةَ بينَ
الموضعينِ تقاربُ ألفًا وخمسمائةَ ميل.
وتُبيّنُ القصّةُ أيضًا أنّ مدى الإنسانِ أبعدُ من مدى الجنِّ إذا كانَ
صاحبَ علمٍ من الكتاب؛ إذ إنّ رجلًا من البشرِ استطاعَ بعلمِه أن يُحضرَ العرشَ في
لحظة. وقد أكّدَ اللهُ بذلكَ أنّ في الكتبِ السماويّةِ علمًا تستطيعُ البشريّةُ أن
تنتفعَ به انتفاعًا واسعًا. وليسَ ذلكَ مقصورًا على الأنبياءِ، بل إنّ في الإنسانِ
استعدادًا لتعلُّمِ هذا العلم. فإذا تعلّمَ علمَ الكتابِ ارتقى إلى منزلةٍ يُمنَحُ
فيها قدرةً على التصرّفِ في شؤونِ الكون.
ولا ينبغي لأحدٍ أن يزهدَ في هذهِ الموهبةِ أو يظنَّ أنّه دونَها، لأنّ
اللهَ قد ذكرَ في قصّةِ سليمانَ عبدًا من عبادِه، وجعلَ هذا البابَ مفتوحًا لكلِّ
من يتفكّرُ ويجتهدُ في الطلب.
وليسَ المقصودُ من بيانِ هذا القانونِ الانتقاصَ من منزلةِ الأنبياءِ، فهم
صفوةُ اللهِ من خلقِه وخلاصةُ النوعِ الإنساني، وهم منابعُ العلومِ الإلهيّةِ
ومخازنُها. وإنّما المقصودُ أنّ كلَّ فردٍ من أفرادِ البشرِ يستطيعُ أن ينتفعَ بما
جاءَ به الأنبياءُ من علم، وأن يتوسّعَ في إدراكِ ما وراءَ العالمِ المحسوس.